أيّها النسيب العزيز،
كتابةُ التاريخ أمرٌ شاق
وعسير، ومن يندبُ نفسَه لمثلِ هذه المهمّة الشائكة عليه أن يدركَ
المسؤوليّة ووعورة المسالك في تأديةِ هذا الواجب الذي يُحَتِّم عليه شرف
الانتماء الى الحقيقة أو التجرّد والمثابرة.
إرثنا العائلي، أيّها النسيب
هو حصيلة أربعة قرون من حضارتنا تمتد من جدّنا الأوّل إلى فروعه
المنتشرين في هذا الوطن وفي مغارب ومشارق أصقاع العالم، والذين سطّروا في
سجلاّت الدهر عبر العصور، وجيلاً بعد جيل، إنجازات وطنيّة وفكريّة
وانسانيّة كادت الذاكرة البشريّة أن تُمحي معظم معالمها، لولا طموح كاهن
متواضع في عيشه، كبير في همّته وعمله، استوحى من خلال نافذة صومعته في
دير الحرف فكرة وَقْدِ شمعة صغيرة لتبقى قبساً منيراً تكشف عن جزء مهم من
تاريخ ارثنا العائلي الثمين والكبير.
إنّ هذا الكاهن الجليل هو الأب
بولس أبوجوده، الذي ترسّخت في أعماقه جذور حبّين حارّين، حبّ الله الذي
سجد بخشوع وإيمان في معبده، وحبّ عائلته الذي فاقَ الهيام، فانبرى
انطلاقاً من هذا الشعور الصادق النبيل، يقدّم ذاته عن كلّ اشراقٍ جديد
ذبيحة لمعبوده، ويَخطّ لنفسه في بدايات القرن المنصرم طريقاً، أراده
رسالة حياة أو أقلّه خلاصة حياة لعائلة انْكَبَّ على مدى أربعة عقود ينقب
عن أصولها وينابيعها وتفرّعاتها ليربطَ حنين الحاضر بالماضي، وصِلاتَ
الدم والقرابة بين السلف والخلف، بالارتكاز إلى ما وقعت عليه يديه من
وثائق وأسانيد ومخطوطات، وما سمع من بعض شيوخ المعرفة في هذا المجال إلى
أحاديث وروايات اكتنزوها في ذاكرتهم وأدركوها بالتواتر عن أبائهم
وأجدادهم.
فبعد طول عناء ومشقّة ومعاناة
في تحقيق هذه الرسالة، اختتم الأب بولس مؤلّفهُ النفيس في 14 حزيران سنة
1972 تحت عنوان
"آل أبوجوده تاريخهم
وسلالاتهم"
فمن قراءة مقدّمة هذا الكتاب
وصفحاته المتتالية وأغصان أشجاره الوارفة، تتعرّف أيّها النسيب الكريم
صعوداً ونزولاً على الأصول والفروع، على السابقين والمخضرمين من بني
عشيرتك، تتعرّف إلى طاقاتهم وإنجازاتهم ومدى انتشارهم، ولقد ترك لنا
المؤلّف في خاتمة كتابه وصيّة ضَمنها أمنيته إلى ذوي العلم والمرؤة
والإقدام ممّن سيأتي بعده من الانسباء في متابعة هذه المسيرة التي تتعدى
نطاق طاقة الفرد لإعطاء هذا العمل الجبّار حقّه في الشموليّة والتكامل.
لذا ارتأت الهيئة الاداريّة
لجامعة العائلة، انسجاماً مع قناعاتها الذاتيّة وتنفيذاً لرغبات الموصي
بتكليف لجان إحصاء وتقصي، توزعت على مختلف البلدات والقرى والدساكر تطرق
أبواب المساكن الجوديّة، تستوضح عن المواليد الجدد في العائلة بعد سنة
1973 أي بعد ثلاثين سنة من جمود هذه الاشجار، ولقد وفّقنا الله بأن ننجز
إحصاءً يمكن الركون والرجوع إليه لبعض الأجباب والفروع حتّى سنة 1999،
والبعض الآخر غير منجز أو مكتمل، ولكي يصبح هذا العمل قطعة واحدة متكاملة
يقتضي منّا جميعاً الاندفاع وتضافر الجهود لأنّ مفتاح النجاح في السير
على هذا الطريق حتّى النهاية، هو في جيب كلّ فرد يساهم في رسم هذا السبيل
عبر اتمام النواقص في فروع الأغصان للاشجار التي يتمضنها الكتيّب الموجود
بين أيديكم.
أيّها الأخوة والأنسباء، يدٌ
واحدة لا تصفّق، وهمّة يتيمة لا ترفع أعباء ثقيلة، ورأي جاف ومتسلّط لا
ينتج أعمالاً مثمرة، فليكن شعارنا في هذه العائلة يدٌ واحدة، فكرٌ واحد
وقلبٌ واحد، لأنّ لدينا من الطاقات والقدرات والإبداعات الفرديّة ما يليق
ويشرّف ويبهر كلّ مجتمع إذا ما جمعت في رزمة واحدة أضحَتْ مدعاة قوّة
وفخر واعتزاز للقريب والبعيد.
يمكن أن يتساءل البعض منكم
لِمَ هذا الاهتمام والانكبابُ على تأريخِ عمر عائلتنا ونحن نعيش عصراً
ترفع فيه شعارات رنّانة وعناوين برّاقة لأفكار وإيديولوجيّات قوميّة
وأمميّة تتخطّى حدود المكان والزمان.
لا يغُرّنّكم مثل هذه الشعارات
والدعوات التي لا تشرق حتّى تغيب، والتي ترعرت ونشأت ضمن أحداث وظروف إن
تبدّلت ولّت معها هذه الشعارات.
فمن متابعة تاريخ نشوء
الحضارات الانسانيّة نجد بأنّ العائلة كانت النواة المركزيّة لتكوين
المجتمعات والاوطان، تزود عنها في الملمّات وتتعمّق عند الصعاب مشاعرها
الى ارض وسماء تلك الاوطان.
لتلك الاسباب وانطلاقاً من
ايماننا في جدوى اكمال هذه المسيرة، نأمل بأن لا ينعي علينا قعود
الهمّة، وأن يبقى هذا العمل شعلة تَسْتَعر شراراتها على امتداد حياة
عائلتنا انسانيّاً اجتماعيّاً وحضاريّاً، وأن يضيف أبناؤنا من بعدنا إلى
تالد هذه الأمجاد أمجاداً جديدة تنمو وتثمر على فروع تلك الأفنان.
جامعة آل أبوجوده
|